أولا: نشأة قبائل أيت عطا
يكتنف الغموض أصل قبائل أيت عطا رغم شهرتها التاريخية بما عُرفت به من بطولات في مقاومة المستعمر وصمودها أمام قوته وبطشه من جهة، وأمام قساوة الظروف المناخية الصعبة التي تميز جبالها من جهة أخرى.
ويرجع هذا الغموض إلى غياب أو ندرة الروايات والمراجع الكتابية الدقيقة والموضوعية حول أصلها، باستثناء بعض الكتابات القليلة مثل مؤلفات دافيد هارت (David Hart) والجنرال جورج سبيلمان (George Spillman) المعروف عند البعض بلقب “الفقيه” أو “الشيخ”.
لهذا السبب، يعتمد الباحثون في أصل قبائل أيت عطا على الروايات الشفهية وحكايات المسنين الذين ما زالت ذاكرتهم تحتفظ ببعض المعلومات، رغم اختلافها وتباينها. ومن أبرز هذه الروايات ما يلي:
-
الرواية الأولى:
تذكر أن أصل أيت عطا يعود إلى سيد أمازيغي يُدعى “عطوش”، كان له خمسة أبناء من ثلاث نساء:-
الأولى أنجبت له ابنا واحدًا،
-
الثانية أنجبت ابنين هما “ولا” و“علوان”،
-
والثالثة أنجبت ابنين هما “واحليم” و“اعزى”.
ويُلاحظ أن الأمازيغ يميلون إلى اختصار الأسماء بحذف جزء منها، فمثلًا “فاطمة” تصبح “فطّو” أو “فطيم”، و“عائشة” تصبح “عبّو” أو “عبيش”، و“محمد” يصبح “موح”.
لذلك فإن “عطا”، والد أيت عطا، كان يُنادى بـ “عطوش”. -
-
الرواية الثانية:
تذهب إلى أن أصل أيت عطا هو رجل أمازيغي اسمه “عطا” كان له أربعون ابنًا، زوّجهم جميعًا في يوم واحد. وبعد يومين من زواجهم، تعرّضوا لهجوم من قبائل أيت سدرات التي قتلتهم جميعًا، فتركت نساءهم أرامل، وكنّ جميعًا حوامل بمعجزة، وبعد تسعة أشهر أنجبن تسعةً وثلاثين ابنًا أصبحوا ينادون جدهم بـ “دادّا عطا” أي “الجد عطا”.
من خلال هذه الروايات، يتضح صعوبة تحديد أصل أيت عطا بشكل موضوعي، وهو ما يشكل عائقًا كبيرًا أمام كل باحث لا في أصل أيت عطا فقط، بل في أصول العديد من القبائل والمجتمعات التقليدية بوجه عام.
ثانيا: البنية الاجتماعية لقبائل أيت عطا
يواجه الحديث عن البنية الاجتماعية لقبائل أيت عطا صعوبات عدّة، لأن استخدام مصطلحات مثل “الفئة” أو “الطبقة” يعد مجازفة، إذ إن الظروف التاريخية والمجتمعية التي أفرزت هذه المفاهيم تختلف تمامًا عن ظروف القبائل العطاوية.
ولتجاوز هذا الإشكال، يمكن استبدال هذه المفاهيم بمصطلح “الأسرة” التي تُعتبر الركيزة الأساسية والخلية الأولى للمجتمع القبلي.
أنواع الأسر في المجتمع العطاوي
يمكن التمييز بين ثلاث فئات من الأسر تختلف من حيث الأصل والمكانة الاجتماعية والحالة المادية ومصدر العيش:
-
ميسورو الحال:
وهم طبقة الأعيان والشيوخ والفقهاء، يملكون الأراضي ويتمتعون بامتيازات مهمة تخول لهم قيادة الاتحاد القبلي. -
متوسّطو الحال:
يحتلون المرتبة الثانية، ولهم نصيب من الملكية، كما يُستشارون في قضايا وأمور القبيلة دون أن تكون لهم سلطة القرار. -
الطبقة الدنيا:
تضم الفقراء والكادحين الذين يعملون لدى الفئة الغنية في الفلاحة والرعي والزراعة، ويُستغلون كيد عاملة.
التقسيم الجغرافي والاقتصادي
اقتصاديًا وجغرافيًا، تنقسم قبائل أيت عطا إلى فئتين رئيسيتين:
-
فئة رعوية تسكن الخيام في الجبال وتتنقل باستمرار بحثًا عن الكلأ لماشيتها، وتُعرف محليًا باسم “إرحالن” (الرحّل).
-
فئة مستقرة في البوادي داخل القصور المعروفة محليًا بـ “تغرما تين” أو القصبات، وهي عمارات تقليدية مبنية بالمواد المحلية (التراب المدكوك).
وما تزال واحات درعة والنقوب وتزارين ودادس تزخر بهذا الموروث المعماري الفريد، الذي يستحق العناية والحماية من قبل وزارة الثقافة والسياحة والتعمير.
ثالثا: البنية الإدارية والقضائية لدى قبائل أيت عطا
اعتمدت قبائل أيت عطا نظامًا يقوم على اللامركزية في تسيير شؤونها.
فعلى رأس الاتحاد يوجد رئيس منتخب لمدة سنة واحدة من طرف شيوخ القبائل، الذين يُنتخبون بدورهم بالطريقة نفسها. ويُطلق على الرئيس عدة تسميات منها:
-
أمغار نسكاس: شيخ العام
-
أمغار نوفلا: الشيخ الأعلى
-
أمغار نتوكة: شيخ الكلأ
ورغم الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها هؤلاء الشيوخ، فإنهم يتحملون مسؤوليات جسيمة، حتى في الأمور الخارجة عن إرادتهم.
فمثلًا، إذا وقع الجفاف خلال فترة تولي شيخ ما، اعتُبر ذلك نذير شؤم عليه، مما قد يؤدي إلى عزله. ولهذا السبب، كان كثيرون يرفضون تقلد هذه المسؤولية لما تحمله من أعباء لا من مظاهر جاه أو سلطة.
النظام القضائي
يتكوّن القضاء العطاوي من ثلاث درجات:
-
المحكمة الابتدائية:
تتكون من رئيس (الشيخ الأدنى) ومساعدين يتراوح عددهم بين ثمانية وعشرة، ويُطلق عليهم “أيت عشرا”. تصدر أحكامها ابتدائيًا، ويُسمح بالاستئناف فقط إذا لم يكن الحكم بالإجماع. -
المحكمة العليا:
تتألف من سبعة أعضاء: الرئيس (الشيخ الأعلى) وثلاثة ممثلين عن أيت حسو وأيت اعزى وأيت زمرو. وهي تفصل نهائيًا في القضايا، معتمدة على القانون العرفي المعروف باسم “أزرف”. -
محكمة فرعية خاصة:
تختص بالنظر في القضايا التي تخص قبيلتي أيت اسفول وأيت علوان.
رابعا: الأخماس المكوّنة لاتحادية أيت عطا
تنقسم اتحادية أيت عطا إلى خمسة أخماس (جمع خمس)، وكل خمس يضم عدداً من الفروع أو “الأغسان”، وهي:
-
خمس أيت أونير وأيت ولال
-
خمس أيت واحليم
-
خمس أيت اسفول وأيت علوان
-
خمس أيت اعزى وأيت الفرسي
-
خمس أيت أونبكي
ومن بين فروع هذه الأخماس نذكر على سبيل المثال:
-
أيت أونير: أيت سليلو، أيت حمد، أيت مغجذن، أيت ربع، أيت مسكور.
-
أيت ولال: أيت بوبكر، أمسوفا، أيت أوزين، أيت حسو، أيت بوداود، أيت بوكنيف، أيت عيسى أو براهيم، والمشان.
-
أيت اسفول: أيت إبراهيم أو حمو، أيت أئشو، أيت حمو.
-
أيت علوان: أيت غانم، أيت أونزار، أيت بومسعود، أيت سيدي.
-
أيت الفرسي: أيت بوتمغرت، أيت عثمان، أيت حمو.
-
أيت اعزى: أيت خليفا، أيت كراض، أيت أوعما، أيت خباش، أيت عمر، أيت أحي أموسى، أيت أرجذالن، أيت أومناصف.
ورغم وحدة هذه الأخماس الخمسة في تقاليدها العامة، إلا أن هناك اختلافات طفيفة في العادات واللباس واللهجة، مما يعكس غنى وتنوع الثقافة العطاوية.
خامسا: طقوس العرس عند قبائل أيت أونير (النقوب نموذجا)
يُعد العرس من أهم المناسبات الاجتماعية في حياة الأفراد، فهو فاصل بين مرحلتي العزوبة والمسؤولية.
وتتميز طريقة الاحتفال بالزواج عند أيت أونير بخصوصية نابعة من العرف العطاوي، رغم أن كثيرًا من هذه التقاليد بدأت تختفي في السنوات الأخيرة تحت تأثير التقليد للحضارات العربية والغربية.
مراحل العرس العطاوي
يمر العرس بعدة مراحل رئيسية هي:
-
الخطوبة (توترا):
تبدأ باختيار العريس لزوجته المستقبلية، ثم إبلاغ والديه ومشاورتهم، وبعد الموافقة تُرسل الأسرة “تسمغورت” (هدايا رمزية) إلى أهل الفتاة، تتكون عادة من السكر واللحم والملابس واللوز.
ويُوزَّع اللوز على بيوت القبيلة إعلانًا للخطوبة، وهو بمثابة شرف وإشهار للعلاقة.
ويُعتبر العدول عن الخطوبة أمرًا مستبعدًا إلا لظروف قاهرة، لما للوعد من قيمة أخلاقية عندهم، وخوفًا مما يسمى محليًا “أموتل” (نقض العهد). -
اسقيمو (اليوم الأول):
يوم تزيين العروس والعريس.
يرسل العريس أربعة ممثلين عنه يُعرفون بـ “إسناين” إلى بيت العروس حاملين حقيبة تضم ملابسها وأدوات تزيينها.
تتولى إحدى قريبات العروس (الخالة أو العمة) تزيينها وسط أهازيج نسائية أمازيغية تُعرف بـ “هيرو”.
ويُطلق على عملية التزيين “أغمان” (يُقال: “تغمّت تسليت” أي تزينت العروس).
تُختتم الليلة بحفل أحيدوس، وهو الشعر الغنائي الجماعي الذي يستمر حتى الصباح. -
تناكا (اليوم الثاني):
بعد الفطور، تنطلق مسيرة العروس على ظهر بغلة يتوسطها أهلها ونساؤها مرددين الأغاني.
يعترض الطريق رجال يُعرفون بـ “إقطعن” في مشهد رمزي يعبر عن أهمية العروس، ليتبارزوا لفظيًا مع ممثلي العريس (إسناين) حتى تصل الموكب إلى بيت الزوجية.
بعد الغداء، تُنشد أهازيج تسمى “أزنزي” بين الرجال والنساء، ويتخللها هجاء ومدح رمزي لأم العروس. -
تيسي (اليوم الثالث):
يوم رمزي لنهاية العرس، حيث تُزين العروس مرة أخرى، ويظهر العريس علنًا لأول مرة.
قبيل الغروب، يتجه الموكب إلى عين ماء أو ساقية، تتقدمهم العروس حاملة إناءً من اللوز.
ترمي جزءًا منه في الماء رمزًا للخصب والبركة، ثم تملأ الإناء وتعود لرش عتبات البيت الجديد بالماء تفاؤلًا بالخير.
يُختتم اليوم برقصات وأشعار “أحيدوس” حتى ساعة متأخرة من الليل. -
امسيفاط (اليوم الأخير):
تُختتم مراسم الزواج، وتُزين العروس بلباسها الأخير ويُكشف وجهها بعد أن ظل مستورًا منذ اليوم الأول.
تُتبادل التهاني والدعوات بالسعادة والهناء بين العائلتين.
سادسا: التحولات الحديثة في طقوس العرس المحلي
في السنوات الأخيرة، شهد العرس العطاوي تغيرات واضحة أدت إلى اندثار كثير من مظاهره الأصيلة، ومن أبرز هذه التغييرات:
-
تقليص مدة العرس من خمسة أيام إلى يومين فقط.
-
استبدال الملابس التقليدية بملابس عصرية على النمط الشرقي أو الغربي.
-
دخول ما يسمى بـ “النكافة” وعاداتها الغريبة عن التقاليد المحلية.
-
التخلي عن الأهازيج الشعرية الأصيلة لصالح أغاني دخيلة.
-
تراجع فن “أحيدوس”، خاصة لدى الجيل الكبير.
-
استبدال موكب العروس التقليدي بالسيارات، ما أفقد الحدث نكهته التراثية الأصيلة.
خاتمة
بهذا نكون قد ألقينا الضوء على جانب من العادات والطقوس التقليدية عند قبائل أيت أونير التابعة لاتحادية أيت عطا، والتي تعكس عمق وغنى التراث الأمازيغي العطاوي الأصيل.
ومع الأسف، فإن هذا التراث يواجه خطر الاندثار تحت تأثير العولمة والتقليد، ما يستدعي الحفاظ عليه وتوريثه للأجيال القادمة باعتباره جزءًا من هوية وثقافة المغرب العريق.

Commentaires
Enregistrer un commentaire